بعضُ الطرق لا نغادرها أبدًا، وإن غادرناها. وبعضها لا ينتهي عند آخره، وإنما يبدأ منه. وهناك طرق لا أدري إن كانت ما تزال قائمة، أم أنها لم تعد تعيش إلا في الذاكرة. نظن أننا تركناها خلفنا، فإذا بها تسكننا؛ نستعيدها كلما فتحنا كتابًا قديمًا، وفاحت في الذاكرة رائحة ورقه الأصفر، أو مرَّ بخاطرنا اسم معلمٍ أحببناه، أو لمحنا شجرةً تشبه تلك التي كانت تظلل طفولتنا.
كان شارع عزبة السيوف واحدًا من تلك الطرق. أعود إليه كلما عدت إلى نفسي، لا كأنني أزوره، بل كأنه كان ينتظرني منذ غادرته. لم يكن يفصله عن البحر سوى دقيقة سير، بين أبي هيف وسيدي بشر، لكن الزمن لا يُقاس بالدقائق، وإنما بما يتركه في القلب. لذلك ظل ذلك الشارع أطول طريق قطعته في حياتي.
ولم يكن اسمه يوحي بحقيقته. فلم يكن عزبةً بالمعنى الريفي للكلمة، ولا شارعًا كسائر الشوارع. ويُروى أن اسمه جاء من كثرة الفيلات التي شيدها اليونانيون والأرمن وغيرهم ممن سكنوا المكان، وربما كان من بينهم الخواجة تشاكوس، والخواجة سباهي، والخواجة يني، والخواجة سيوف، الذي بقي اسمه على الشارع، بينما غاب هو وغاب زمنه.
كان خيطًا يصل البحر بالبيوت، ويصل طفولةً صغيرة بعالمٍ لم تكن تعرف أنه ينتظرها. وعلى مقربة من الموج، كانت الفيلات الحجرية تقف في هدوء، كأنها تعرف أن الزمن سيمر بها دون أن يستأذنها. كانت أسقفها الحمراء تلمع بعد المطر، وتفيض حدائقها بالورد البلدي والفل والياسمين، حتى ليخيل إلى العابر أن الهواء نفسه خرج لتوه من حديقة.
كنت أمشي ببطء، كأنني أبحث عن شيء لا أعرف اسمه. كانت الفيلات صامتة، ومع ذلك أشعر أنها تراقبني. والأشجار لا تتكلم، لكنني كنت أصدق أنها تعرفني. ولم أسأل نفسي يومًا لماذا كنت أصدق ذلك؛ فالأطفال لا يطلبون دليلًا على الأشياء التي يحبونها.
ثم صار ذلك الطفل، في ذاكرتي، يمضي كل يوم في الطريق نفسه. لا يعجله الوصول، ولا يعنيه آخر الطريق بقدر ما تعنيه الطريق ذاتها. كان يبطئ خطاه ليرى ما وراء الأسوار، ويقف عند كل ممر ضيق بين فيلتين، كأنه يخشى أن يكون خلفه سرٌّ فات الناس جميعًا، ولم يبق إلا له.
كان الطريق بالنسبة إليه عالمًا كاملًا، لا مسافة تُقطع. كانت الأشجار تحدثه في خياله، والفيلات العتيقة تبدو كأنها تخفي حكايات لا تنتهي. وبينها ممرات ضيقة، أشبه بجيوبٍ سحرية، كلما دخل واحدًا منها، ظن أنه يعثر على اكتشاف جديد.
وفي نهاية أحد تلك الممرات، كان الرجل العجوز يجلس بين أكوام الكتب والمجلات القديمة، تحيط به كما تحيط الأشجار ببئرٍ قديمة.
لم يكن يبيع كتبًا فحسب، بل كان يحرس زمنًا آخر. وكان كل كتاب بين يديه يحمل عمرًا أطول من عمر مالكه، وكل صفحة تشبه نافذة فُتحت على زمن بعيد.
كان الصبي يقف أمام الأكوام طويلًا، يغوص بينها في شغف، ويقلب الكتب بيدين صغيرتين، ويستنشق رائحة الورق العتيق، كأن لكل كتاب روحًا ما تزال تسكن بين صفحاته. ولم يكن يفتح الكتب ليقرأها بقدر ما كان يفتحها ليشمها. كانت تلك الرائحة تسحره، دون أن يعرف لها تفسيرًا.
ثم يخرج من جيبه ما ادخره من مصروف أسبوعٍ كامل، فيدسه في يد الرجل العجوز، فيعود إليه الرجل بمجلة من «تان تان»، أو «ميكي»، أو «سوبرمان»، وربما بكتاب من سلسلة «الكتاب الذهبي».
وكان الصبي يغادر المكان، وفي ذراعه غنيمة لا يملكها غيره...
غنيمةٌ اسمها كتاب.
ثم وجدتُ الكتاب.
لم أستطع أن أقرأ منه كلمة واحدة. لم أكن قد تعلمت الإنجليزية بعد، ومع ذلك، ما إن وقع بين يدي حتى شعرت أنني أعرفه منذ زمن بعيد. لا أعرف كيف يحدث هذا، لكن يبدو أن بعض الكتب تختار أصحابها قبل أن يتعلموا قراءتها.
كان كتابًا قديمًا، اصفرَّ ورقه، وانقسمت صفحاته إلى أعمدة تتخللها رسومٌ يدوية آسرة. وعلى الصفحة الأولى تاريخٌ عتيق، بدا لي يومها كأنه رسالة وصلت من زمن بعيد، تقول أشياء لا تحتاج إلى ترجمة.
ضممتُه إلى صدري، ثم أخفيته في حقيبتي الجلدية، كما يخفي طفلٌ كنزًا يخشى عليه من عيون الناس. ووعدتُ بائع الكتب أن أعيده في الأسبوع التالي، مقابل قرشٍ صاغ، مع بعض المجلات التي سأستبدلها بغيرها.
عدتُ إلى البيت، ولم يكن يشغلني شيء أكثر من ذلك الكتاب. جلست أقلد حروفه بقلم رصاص على ورقة خشنة. لم أكن أعرف أسماء تلك الحروف، ولا كيف تُنطق، لكنني كنت أشعر أن بيني وبينها موعدًا مؤجلًا. كنت أرسمها حرفًا بعد حرف، وأتأملها طويلًا، حتى حفظت أشكالها، بينما بقيت كلماتها سرًّا مغلقًا.
أما الرسوم، فقد كانت عالمي الوحيد إلى داخله. كنت أحدق في الوجوه، والبيوت، والطرقات، محاولًا أن أستخرج منها الحكاية التي عجزت عيناي عن قراءتها. كنت أؤمن أن الصور تستطيع أن تحكي، وأن الكتب لا تتكلم بالحروف وحدها.
وفي صباح اليوم التالي حملتُ الكتاب إلى المدرسة، وكانت تقع على الطريق نفسه.
اقتربت من معلمتي، ورفعته إليها بكلتا يدي، كما لو كنت أقدم إليها سؤالًا أكبر من عمري.
قلت في براءة:
ــ «أبلة أمينة... أنا مش عارف أقرأ الحروف دي... إيه دي يا أبلة؟»
ابتسمت، وربتت على كتفي تلك الربتة التي لا تنساها الروح مهما طال بها العمر.
ثم قالت:
ــ «دي حروف إنجليزية يا حبيبي... والكتاب ده قصة لكاتب كبير اسمه تشارلز ديكنز. لما تكبر هتعرف تقراها.»
رفعت رأسي إليها، ثم نظرت إلى الكتاب مرة أخرى، وقلت ببساطة الطفل الذي لا يعرف المستحيل:
ــ «طيب... تعلميني؟»
ابتسمت مرة أخرى، ولم تقل شيئًا.
لكن تلك الابتسامة كانت أول درس.
احتفظت بالكتاب، لا لأنني كنت أستطيع قراءته، بل لأنني كنت أحب أن أشم رائحة صفحاته. كنت أعود إليه كل مساء، أقلب أوراقه ببطء، وأتأمل رسومه، وأشعر أن الكلمات تختبئ خلفها، في انتظار اليوم الذي أستطيع فيه أن أفتح بابها.
صرت أرسم الحروف على الورق، ثم على كفي الصغيرة، حتى حفظت أشكالها كلها قبل أن أعرف أسماءها. وكانت أصابعي تحفظ ما لم تحفظه أذناي بعد، وكأن الطريق إلى المعرفة يبدأ أحيانًا بالعين، ثم باليد، قبل أن يبلغ اللسان.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الكتاب شيئًا أقرأه، بل صار طريقًا أسير فيه... ووعدًا خفيًّا بين طفلٍ صغير، وعالمٍ لم يكن قد دخله بعد.
مرّت السنوات.
رحلت الفيلات، واحدةً بعد أخرى، واختفى حانوت الكتب القديمة، وتبدلت ملامح الطريق كما تتبدل وجوه الناس في الصور العتيقة. ولم يبق من شارع عزبة السيوف إلا ما احتفظت به الذاكرة، وما عجز الزمن عن انتزاعه من القلب.
كبر ذلك الصبي الذي كان يقطع الطريق كل يوم بعينين مملوءتين بالدهشة، لكن شيئًا واحدًا لم يكبر معه، ولم يهرم، ولم يفقد بريقه: رائحة الورق القديم.
إلى اليوم، كلما فتحت كتابًا عتيقًا، سبقتني تلك الرائحة إلى الماضي. وما إن تلامس أنفي حتى ينهض ذلك الصبي من أعماق الذاكرة. لا يخرج من شارعٍ قديم، ولا من بيتٍ اندثر، بل يخرج من بين صفحات الكتب.
أراه كما كان؛ يمشي متباطئًا بين الفيلات، يتطلع خلف الأسوار، ويتوقف أمام الممرات الضيقة، ثم ينعطف نحو بائع الكتب، حيث الأكوام التي كانت تبدو له أكبر من الدنيا، وحيث ذلك الرجل العجوز الذي لم يكن يدرك أنه لم يكن يبيع كتبًا، بل كان يسلّم طفلًا صغيرًا مفتاح حياته.
وما زلت أذكر يد «أبلة أمينة» وهي تربت على كتفي في حنان، وما زلت أسمع صوتها وهي تقول: «دي حروف إنجليزية يا حبيبي...» ولم تكن تعلم، وربما لم أكن أعلم أنا أيضًا، أن كلماتها البسيطة ستظل تتردد في داخلي سنوات طويلة، حتى غدت أول الطريق إلى عالم لم أغادره يومًا.
ولم أعد أمر بذلك الطريق إلا في ذاكرتي.
أتذكر الآن أنني، في تلك الليلة، لم أفتح الكتاب لأقرأه. فتحته لأشم رائحته. كانت رائحة لا تشبه الورق وحده، بل تشبه بيتًا لم أسكنه قط، ومع ذلك أحسست، منذ اللحظة الأولى، أنه بيتي.
بعد سنوات طويلة، نسيت أسماءً كثيرة، ووجوهًا كثيرة، وطرقاتٍ كثيرة. لكنني لم أنس تلك الرائحة، ولم أنس ذلك الطفل الذي كان يرسم الحروف قبل أن يعرف أسماءها، ويؤمن أن وراء كل كتاب عالمًا ينتظر من يعثر عليه.
أحيانًا يخيل إليّ أن حياتي كلها بدأت في اللحظة التي وضعت فيها ذلك الكتاب داخل حقيبتي الجلدية. لم أكن أعرف ما الذي تخفيه صفحاته، ولم أكن أستطع قراءة سطرٍ واحدٍ منه، لكنني شعرت، للمرة الأولى، أن في العالم بابًا قد انفتح أمامي، وأنني سأقضي عمري كله أحاول أن أعبره.
واليوم، كلما أغلقت كتابًا بعد أن أفرغ من قراءته، أدرك أن الرحلة لم تبدأ يوم تعلمت القراءة، ولا يوم كتبت أول كلمة، بل بدأت يوم وقعت يداي على كتابٍ لم أستطع أن أقرأه.
أدرك الآن أنني لم أكن أحمل ذلك الكتاب إلى البيت...
بل كان هو الذي يحملني، في هدوء، إلى الحياة التي سأعيشها كلها بين الكتب.
لم يكن ذلك أول كتابٍ وقع بين يدي...
بل كان أول كتابٍ أمسك بيدي.